النويري

38

نهاية الأرب في فنون الأدب

وحكمته ، وصلح أمر الناس ، وعمل أختاليس طلَّسمات وعجائب كثيرة . قال : وملكهم أقروش أربعا وستين سنة ، وهلك وليس له ولد ولا أخ ، فدفن في الهرم وجعلت معه أمواله وذخائره وجواهره والصنائع التي عملت في وقته ، واجتمع الناس على تمليك رجل من أهل بيت الملك . فملَّكوا عليهم أرمالينوس ، فلمّا ملك أمر بجمع الناس وقال : أرى الأمم الغربية قد تطرّقت إليكم في نواحيكم ، ويوشك أن تسير إليكم ، وأنا مانع لبلادكم ودمائكم منهم بغزوهم والخروج إليهم وتحويلكم إياهم ، وأحتاج إلى معونة من حكمائكم بالأعمال الهائلة والتخاييل العجيبة ، فشكروه ودعوا له بالتوفيق . وقالت الحكماء : نحن نخرج مع الملك إذا خرج ونبلغ له مجابه أو يقيم ونحن نخرج مع الجيش مكانه ونبذل أنفسنا دونه . فامتنع من ذلك وخرج في جيش عظيم وحارب تلك الأمم ونكأ « 1 » فيها أعظم نكاية ، ورجع غانما وخلَّف في وجوههم جيشا ، فاجتمعت تلك الأمم فهزمت جيشه ورجع أصحابه مغلوبين فعظم ذلك عليه . وكانت أصابته علَّة من تغيّر الهواء فأنفذ ابن عمّ له يقال له فرعان بن مسور ، وكان أحد الجبابرة الذين لا يطاقون ، وهو أوّل « 2 » فرعون تسمّى بهذا الاسم ومن سمّى بعده سمّى تشبيها به ؛ فأنفذه الملك أرمالينوس في جيش عظيم فأجلى تلك الأمم ونفاها إلى أطراف البحر ، وعاد ومعه خلق كثير من الأسرى والرؤس ، فأمر الملك بنصب تلك الرؤس حول مدينته وقتل جميع الأسرى . وكان منهم كاهن فأمر الملك أن يوشر « 3 » بمنشار ، وهو أوّل من فعل

--> « 1 » نكأ : قتل فيهم وجرح وأثخن . « 2 » وكذا ورد في صبح الأعشى ( ج 3 ص 412 ) أنه أوّل من لقب بلقب الفراعنة . « 3 » يوشر ، يقال : وشر الخشبة بالمنشار إذا نشرها .